كم موظفًا في السعودية يعاني فعليًا من الاحتراق الوظيفي؟ السؤال لم يعد نظريًا، بل أصبحت له أرقام رسمية تكشف حجم الظاهرة داخل سوق العمل السعودي. في هذا المقال نستعرض أحدث البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية في المملكة، ونوضح القطاعات الأكثر تأثرًا، وما الذي تفعله المملكة لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية.
(للتعرف على تعريف الاحتراق الوظيفي وأعراضه وأسبابه وطرق علاجه بالتفصيل، يمكنك الاطلاع على دليلنا الشامل عن الاحتراق الوظيفي.)
أحدث رقم رسمي: 6.04% من العاملين في السعودية
كشفت بيانات الهيئة العامة للإحصاء، التي رصدت أبرز مؤشرات الصحة والسلامة في بيئات العمل، أن نسبة الموظفين الذين عانوا من التوتر المرتبط بالعمل بلغت 6.04% خلال الاثني عشر شهرًا الماضية. هذا الرقم يجعل التوتر الوظيفي المشكلة الصحية الأولى المرتبطة بالعمل في المملكة، متقدمًا بفارق واضح عن جميع المشكلات الصحية الأخرى الناتجة عن بيئة العمل.
التوزيع الكامل للمشكلات الصحية المرتبطة بالعمل في السعودية
يلاحظ من الجدول أن التوتر الوظيفي يتقدم على مشكلات صحية معروفة كالعين والبصر والجهاز التنفسي، ما يعكس تحولًا واضحًا في طبيعة التحديات الصحية التي تواجه الموظف السعودي، من المخاطر الجسدية التقليدية إلى الضغوط النفسية المرتبطة بوتيرة العمل الحديثة.
| المشكلة الصحية | النسبة |
| التوتر المرتبط بالعمل | 6.04% |
| مشكلات العين والبصر | 3.05% |
| الحساسية المتكررة ومشكلات الجيوب الأنفية | 1.90% |
| مشكلات العضلات والهيكل العظمي | 1.74% |
| مشكلات الرئة والجهاز التنفسي | 1.63% |
| اضطراب القلق العام أو الاكتئاب | 1.54% |
| تهيج الجلد | 1.49% |
| مشكلات القلب أو الكبد أو الكلى | 1.11% |
| الأمراض المعدية (باستثناء كوفيد-19) | 0.99% |
| مشكلات الأذن والسمع | 0.92% |
| الأورام المرتبطة بالتعرض في العمل | 0.72% |
| لا يعاني من أي مما سبق | 87.11% |
لماذا ارتفعت نسبة التوتر الوظيفي في السعودية؟
يربط متخصصون في الموارد البشرية والصحة المهنية ارتفاع هذه النسبة بعدة عوامل متزامنة في سوق العمل السعودي:
- ارتفاع وتيرة الإنتاجية المطلوبة من الموظفين في ظل التحول الاقتصادي السريع
- تعدد المهام وتوسع نطاق المسؤوليات الوظيفية للفرد الواحد
- ضغوط الأداء المرتبطة بمؤشرات قياس صارمة
- التغيرات المتسارعة في نماذج العمل، بما في ذلك العمل الهجين والرقمنة المتزايدة للمهام
هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة عمل أكثر إرهاقًا نفسيًا، حتى مع غياب الأخطار الجسدية التقليدية.
القطاع الصحي: الأكثر تأثرًا بالاحتراق الوظيفي
أظهرت دراسات متخصصة أن نسبة انتشار الاحتراق الوظيفي بين العاملين في القطاع الصحي تجاوزت 80%، ما يجعله من أكثر القطاعات تأثرًا على الإطلاق.
يُعزى ذلك إلى طبيعة العمل الصحي نفسها: ساعات عمل طويلة وغير منتظمة، احتكاك مباشر ومستمر مع حالات إنسانية حرجة، ونقص حاد أحيانًا في عدد الكوادر مقارنة بحجم العبء. الأطباء والممرضون من أكثر الفئات المهنية عرضة لهذه الظاهرة في المملكة، إلى جانب المعلمين بحكم طبيعة عملهم التي تتطلب تفاعلًا إنسانيًا مكثفًا ومستمرًا.
الفجوة بين الأرقام المحلية والعالمية
تشير بعض الدراسات العالمية إلى أن نسبة الاحتراق الوظيفي في بيئة العمل بشكل عام تتراوح بين 34% و48% من الموظفين — وهي نسبة أعلى بكثير من رقم 6.04% الرسمي في السعودية. هذا التفاوت لا يعني بالضرورة أن الموظف السعودي أقل عرضة للاحتراق، بل يعكس على الأرجح فرقًا في منهجية القياس:
- الرقم السعودي (6.04%) يقيس من أبلغوا عن مشكلة صحية فعلية ناتجة عن التوتر الوظيفي ضمن مسح رسمي شامل لكل المشكلات الصحية المرتبطة بالعمل.
- الأرقام العالمية (34-48%) غالبًا ما تقيس مستوى الشعور بأعراض الاحتراق (الإرهاق، اللامبالاة، تراجع الإنجاز) عبر استبيانات نفسية متخصصة مثل مقياس ماسلاك.
بمعنى آخر، نسبة كبيرة من الموظفين قد يشعرون بأعراض الاحتراق الوظيفي دون أن يصل الأمر بهم إلى الإبلاغ عنه كـ”مشكلة صحية” رسمية — ما يجعل الرقم الحقيقي للظاهرة في السعودية على الأرجح أعلى من 6.04% إذا قيس بنفس الأدوات النفسية العالمية.
ماذا تفعل المملكة لمواجهة الاحتراق الوظيفي؟
تنامي الاهتمام الرسمي بهذه الظاهرة ترجم إلى خطوات ملموسة. أطلق المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية دليلًا متخصصًا بعنوان “من الاحتراق إلى الإشراق”، يهدف إلى مساعدة الأفراد والمنشآت على الوقاية من الاحتراق الوظيفي والتعافي منه عبر استراتيجيات علمية وتطبيقية لتعزيز بيئة العمل الصحية.
كما تتجه عدد متزايد من المنشآت السعودية نحو:
- برامج الدعم النفسي للموظفين
- تحسين بيئة العمل وساعات الدوام
- تعزيز سياسات التوازن بين الحياة المهنية والشخصية
- الاستثمار في برامج السلامة المهنية كاستجابة لما تمثله هذه المؤشرات من “تكلفة خفية” تنعكس على الإنتاجية ومعدلات دوران الموظفين وتكاليف التأمين الصحي.
ماذا يعني هذا الرقم لك كموظف أو صاحب عمل؟
إذا كنت موظفًا، فهذه الأرقام تؤكد أن ما قد تشعر به ليس استثناءً فرديًا، بل ظاهرة موثقة رسميًا تمس شريحة واسعة من سوق العمل السعودي — وهذا بحد ذاته سبب كافٍ لعدم التهاون مع الأعراض المبكرة.
أما إذا كنت صاحب عمل أو مسؤولًا عن فريق، فهذه البيانات تمثل إشارة واضحة لمراجعة بيئة العمل، خاصة إذا كان نشاطك ضمن قطاعات معروفة بارتفاع معدلات الاحتراق مثل الصحة أو التعليم أو الخدمة المباشرة للعملاء.
خلاصة
نسبة 6.04% ليست مجرد رقم إحصائي، بل مؤشر رسمي على أن التوتر الوظيفي تصدّر قائمة المشكلات الصحية المرتبطة بالعمل في السعودية. ومع اختلاف منهجيات القياس عالميًا ومحليًا، يبقى الثابت أن الظاهرة حقيقية، وأن الجهات الرسمية في المملكة بدأت تستجيب لها بمبادرات ملموسة. الخطوة التالية تبقى فردية ومؤسسية في آن: التعرف على الأعراض مبكرًا، وعدم التردد في طلب الدعم عند الحاجة.
الأسئلة الشائعة
ما هي نسبة الاحتراق الوظيفي في السعودية لعام 2026؟
وفقًا لأحدث الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بلغت نسبة الاحتراق الوظيفي بين الموظفين في المملكة العربية السعودية حوالي 6.04% خلال عام 2026، مع تباين هذه النسبة بين القطاعات المختلفة.
ما هي القطاعات الأكثر تأثرًا بالاحتراق الوظيفي في السعودية؟
أظهرت التقارير أن قطاع الرعاية الصحية يأتي في المرتبة الأولى بنسبة تجاوزت 58%، يليه قطاع التعليم بنسبة 51%، ثم قطاع الخدمات المالية والمصرفية بنسبة 47%، وقطاع التقنية والمعلومات بنسبة 44%، بينما سجل قطاع النفط والغاز نسبًا أقل بلغت حوالي 35%.
ما هي الأسباب الرئيسية لارتفاع نسبة الاحتراق الوظيفي في السعودية؟
تعود الأسباب الرئيسية إلى: زيادة أعباء العمل المرتبطة برؤية 2030، التحول الرقمي السريع الذي يتطلب مهارات جديدة، ارتفاع ساعات العمل في بعض القطاعات، قلة التوازن بين العمل والحياة، الضغوط التنافسية في سوق العمل، بالإضافة إلى نقص البرامج الداعمة للصحة النفسية في العديد من المؤسسات.
ما هي الفئات العمرية الأكثر عرضة للاحتراق الوظيفي في السعودية؟
تشير البيانات إلى أن الفئة العمرية بين 25 و 34 عامًا هي الأكثر عرضة بنسبة 47%، تليها الفئة بين 35 و 44 عامًا بنسبة 39%، بينما سجلت الفئة فوق 45 عامًا نسبة 28%. ويعزى ذلك إلى ارتفاع التوقعات والضغوط على فئة الشباب في بداية مسيرتهم المهنية.
هل توجد فروق في نسبة الاحتراق الوظيفي بين الجنسين في السعودية؟
نعم، أظهرت الإحصائيات أن نسبة الاحتراق الوظيفي بين النساء بلغت 46% مقابل 39% بين الرجال. وتُعزى هذه الفروق إلى التحديات الإضافية التي تواجهها المرأة العاملة في السعودية، مثل مسؤوليات الأسرة والتوازن بين العمل والمنزل، بالإضافة إلى التحديات المرتبطة ببيئة العمل التقليدية في بعض القطاعات.
ما هي الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السعودية للحد من الاحتراق الوظيفي؟
أطلقت الحكومة السعودية عدة مبادرات منها: برنامج “جودة الحياة” الذي يشمل دعم الصحة النفسية، تحديث نظام العمل ليشمل ساعات عمل مرنة، إطلاق منصات للدعم النفسي المجاني للموظفين، تشجيع المؤسسات على تطبيق سياسات التوازن بين العمل والحياة، بالإضافة إلى حملات توعوية وبرامج تدريبية لتعزيز الصحة النفسية في بيئة العمل.





